محمد المقداد الورتتاني

299

البرنس في باريس

أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله * ويخصب عيشي والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى * ولكنما وجه الكريم خصيب وأكثر من حاتم الطائي عامر بن الطفيل الذي كاد أن يكون رئيسا لجمعيات الإعانات العامة . ولجمعيات الفرامسون التي من قواعدها الواحد للكل والكل للواحد ، ولجمعيات حقوق الرجل ، فإنه كان يكلف من ينادي في سوق عكاظ هل من جائع فأطعمه ، أو خائف فنؤمنه ، أو راحل فنحمله . وبالجملة فالقوم أهل بشاشة بالضيف وإكرام بمقدار ، وهذا هو المناسب في المجتمع البشري حتى لا يتكل الناس على الكرم ومال الغير واغتصاب أعماله ، وإقلاقه وإضاعة وقت أشغاله ، فتذهب من الضيوف روح المروءة وإحساس العمل وخصلة الاعتماد على النفس . كان وزير الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر في أوائل القرن الثامن هجري ، وهو سيف الدين يكتمر سمحا بجاهه بخيلا بماله ، ومع ذلك أثنوا عليه لمجرد المعونة الأدبية فقط دون المادية : فقالوا لم ير مثله في حق أصحابه لكثرة تذكرهم في غيبتهم والفكر في مصالحهم وتفقد أحوالهم ، ومن جفاه منهم عتب عليه وكان بصيرا بالأمور ، خبيرا بالحوادث طويل الروح في الكلام ، لا يمل من تطويله ولو قعد في الحكم الواحد ثلاثة أيام ولا يلحقه من ذلك سآمة البتة . وربما كان من هاته الخصال في رجال أروبا كالمحافظة على حسن الوداد على البعاد والسماحة بالجاه دون المال ، والمقدرة على إطالة الروح في الحديث والصبر على تحمل المشاق في مباشرة الأشغال بلا ضجر قبل الإتمام . وبعض سراة أمتنا يتدبرون هذا الأمر ويعملون به ، وقد قالوا في ترجمة الوزير ضرغام في أواسط القرن السادس بمصر في سياق الثناء عليه : كان كريما لا يضع كرمه إلّا في سمعة ترفعه أو مداراة تنفعه ، فارس عصره كاتبا جميل الصورة فكه المحاضرة عاقلا إلخ . فقد عدوا التحري في وضع المال في منازله من صفات الكمال ولم يحسبوه مما ينتقد به على صاحب الترجمة عندما عدوا مساويه بقولهم . إلّا أنه كان أذنا